بَاب: قِصَّةِ يَأْجُوجَ
وَمَأْجُوجَ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ}.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ
ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا - إِلَى قَوْلِهِ - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}
وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهِيَ الْقِطَعُ {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}
يُقَالُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْجَبَلَيْنِ، وَالسُّدَّيْنِ الْجَبَلَيْنِ
{خَرْجًا} أَجْرًا {قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} أَصْبُبْ عَلَيْهِ رَصَاصًا، وَيُقَالُ: الْحَدِيدُ،
وَيُقَالُ: الصُّفْرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ. {فَمَا اسْطَاعُوا
أَنْ يَظْهَرُوهُ} يَعْلُوهُ، اسطاع اسْتَفْعَلَ، مِنْ طعت لَهُ، فَلِذَلِكَ
فُتِحَ أَسْطَاعَ يَسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ. {وَمَا
اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ
وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} أَلْزَقَهُ بِالْأَرْضِ، وَنَاقَةٌ دَكَّاءُ لَا
سَنَامَ لَهَا، وَالدَّكْدَاكُ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلُهُ، حَتَّى صَلُبَ من الأرض
وَتَلَبَّدَ. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} /الكهف: 83 - 99/. {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ
وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} /الأنبياء: 96/. قَالَ
قَتَادَةُ: حَدَبٌ أَكَمَةٌ، قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
رَأَيْتُ السَّدَّ مِثْلَ الْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ، قَالَ: (رَأَيْتَهُ).
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ
حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بنت جَحْشٍ رضي الله عنهن:
أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ
مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مِثْلُ هَذِهِ). وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ
زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا
الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ).
باب قصة يأجوج ومأجوج
قوله: (باب قول الله تعالى: {ويسألونك
عن ذي القرنين} - إلى قوله - {سببا} كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية، ثم اتفقوا إلى
قوله تعالى: {آتوني زبر الحديد} وفي إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم
إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني، لأن الإسكندر كان قريبا من زمن
عيسى عليه السلام، وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، والذي يظهر أن
الإسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه وغلبته على البلاد الكثيرة،
أو لأنه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم
والفرس فلقب ذا القرنين لذلك، والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم،
والفرق بينهما من أوجه:
أحدها: ما ذكرته، والذي يدل على تقدم
ذي القرنين ما روى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين أن ذا القرنين
حج ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقاه، ومن طريق عطاء عن ابن عباس أن ذا القرنين دخل
المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه، ويقال: إنه أول من صافح. ومن طريق عثمان
بن ساج أن ذا القرنين سأل إبراهيم أن يدعو له فقال: وكيف وقد أفسدتم بئري؟ فقال:
لم يكن ذلك عن أمري، يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه. وذكر ابن هشام في
التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في شيء فحكم له، وروى ابن أبي حاتم من
طريق علي بن أحمد أن ذا القرنين قدم مكة، فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة،
فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما؟ فقامت خمسة
أكبش فشهدت، فقال: قد صدقتم. قال: وأظن الأكبش المذكورة حجارة، ويحتمل أن تكون
غنما. فهذه الآثار يشد بعضها بعضا. ويدل على قدم عهد ذي القرنين.
ثاني الأوجه: قال الفخر الرازي في
تفسيره: كان ذو القرنين نبيا. وكان الإسكندر كافرا، وكان معلمه أرسطاطاليس، وكان
يأتمر بأمره، وهو من الكفار بلا شك، وسأذكر ما جاء في أنه كان نبيا أم لا.
ثالثها: كان ذو القرنين من العرب كما
سنذكر بعد، وأما الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلها من ولد سام بن نوح
بالاتفاق، وإن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لا؟ واليونان من ولد
يافث بن نوح على الراجح فافترقا. وشبهة من قال إن ذا القرنين هو الإسكندر ما أخرجه
الطبري، ومحمد بن ربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين نزلوا مصر بإسناد فيه ابن
لهيعة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فقال: كان من الروم
فأعطي ملكا فصار إلى مصر وبنى الإسكندرية، فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال: انظر
ما تحتك، قال: أرى مدينة واحدة، قال: تلك الأرض كلها، وإنما أراد الله أن يريك وقد
جعل لك في الأرض سلطانا، فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم.
وهذا لو صح لرفع النزاع، ولكنه ضعيف،
والله أعلم.
وقد اختلف في ذي القرنين، فقيل: كان
نبيا كما تقدم، وهذا مروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعليه ظاهر القرآن.
وأخرج الحاكم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أدري ذو القرنين
كان نبيا أو لا. وذكر وهب في المبتدأ أنه كان عبدا صالحا وأن الله بعثه إلى أربعة
أمم: أمتين بينهما طول الأرض، وأمتين بينهما عرض الأرض، وهي: ناسك ومنسك وتأويل
وهاويل، فذكر قصة طويلة حكاها الثعلبي في تفسيره. وقال الزبير في أوائل كتاب
النسب: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن هشام بن سعد، عن سعيد
بن أبي هلال، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل سمعت ابن الكوا يقول لعلي بن
أبي طالب: أخبرني ما كان ذو القرنين؟ قال: كان رجلا أحب الله فأحبه، بعثه الله إلى
قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات
منها، ثم بعثه الله، فسمي ذو القرنين. وعبد العزيز ضعيف، ولكن توبع على أبي
الطفيل، أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن أبي حسين، عن أبي الطفيل نحوه،
وزاد: وناصح الله فناصحه. وفيه: لم يكن نبيا ولا ملكا.
وسنده صحيح، سمعناه في الأحاديث
المختارة للحافظ الضياء، وفيه إشكال لأن قوله: ولم يكن نبيا مغاير لقوله: بعثه
الله إلى قومه، إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة. وقيل: كان ملكا من
الملائكة، حكاه الثعلبي، وهذا مروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين فقال:
تسميه بأسماء الملائكة؟ وحكى الجاحظ في الحيوان أن أمه كانت من بنات آدم وأن أباه
كان من الملائكة، قال: واسم أبيه فيرى، واسم أمه غيرى، وقيل: كان من الملوك وعليه
الأكثر، وقد تقدم من حديث علي ما يومئ إلى ذلك، وسيأتي في ترجمة موسى في الكلام
على أخبار الخضر.
واختلف في سبب تسميته ذا القرنين
فتقدم قول علي، وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب، أخرجه الزبير بن بكار من طريق
سليمان بن أسيد عن ابن شهاب قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من
مغربها وقرن الشمس من مطلعها، وقيل: لأنه ملكهما وقيل: رأى في منامه أنه أخذ بقرني
الشمس، وقيل: كان له قرنان حقيقة، وهذا أنكره علي في رواية القاسم بن أبي بزة،
وقيل: لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه، وقيل: لأنه كانت له غديرتان طويلتان من
شعره حتى كان يطأ عليهما، وتسمية الضفيرة من الشعر قرنا معروف، ومنه قول أم عطية
وضفرنا شعرها ثلاثة قرون ومنه قول جميل:
فلثمت فاها آخذا بقرونها
وقيل: كانت صفحتا رأسه من نحاس، وقيل
لتاجه قرنان، وقيل كان في رأسه شبه القرنين، وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل:
لأنه عمر حتى فني في زمنه قرنان من الناس، وقيل: لأن قرني الشيطان عند مطلع الشمس
وقد بلغه، وقيل: لأنه كان كريم الطرفين أمه وأبوه من بيت شرف، وقيل: لأنه كان إذا
قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا، وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه
ملك فارس والروم.
وقد اختلف في اسمه فروى ابن مردويه من
حديث ابن عباس وأخرجه الزبير في كتاب النسب عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز
بن عمران، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان، وإسناده ضعيف جدا
لضعف عبد العزيز وشيخه، وهو مباين لما تقدم أنه كان في زمن إبراهيم فكيف يكون من
ذريته؛ لا سيما على قول من قال: كان بين عدنان وإبراهيم أربعون أبا أو أكثر، وقيل:
اسمه الصعب وبه جزم كعب الأحبار وذكره ابن هشام في التيجان عن ابن عباس أيضا، وقال
أبو جعفر بن حبيب في كتاب المحبر هو المنذر بن أبي القيس أحد ملوك الحيرة، وأمه
ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم، قال وقيل: اسمه الصعب بن قرن بن همال من ملوك
حمير، وقال الطبري هو إسكندروس بن فيلبوس وقيل فيلبس وبالثاني جزم المسعودي، وقيل:
اسمه الهميسع ذكره الهمداني في كتب النسب قال: وكنيته أبو الصعب وهو ابن عمرو بن
عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل: ابن عبد الله بن قرين بن منصور بن عبد الله بن
الأزد، وقيل: بإسقاط عبد الله الأول، وأما قول ابن إسحاق الذي حكاه ابن هشام عنه
أن اسم ذي القرنين، مرزبان بن مرديه، بدال مهملة وقيل: بزاي فقد صرح بأنه
الإسكندر، ولذلك اشتهر على الألسنة
لشهرة السيرة لابن إسحاق. قال
السهيلي: والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم، ويقال:
إن إبراهيم تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لإبراهيم والآخر كان قريبا من عهد
عيسى. قلت: لكن الأشبه أن المذكور في القرآن هو الأول بدليل ما ذكر في ترجمة الخضر
حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين، وقد ثبتت قصة الخضر
مع موسى، وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا، وتأتي بقية أخبار الخضر هناك إن شاء الله
تعالى. فهذا على طريقة من يقول إنه الإسكندر، وحكى السهيلي أنه قيل: إنه رجل من
ولد يونان بن يافث اسمه هرمس، ويقال هرديس، وحكى القرطبي المفسر تبعا للسهيلي أنه
قيل إنه أفريدون، وهو الملك القديم للفرس الذي قتل الضحاك الجبار الذي يقول فيه
الشاعر:
فكأنه الضحاك في فتكاته … بالعالمين
وأنت أفريدون
وللضحاك قصص طويلة ذكرها الطبري
وغيره. والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم، قال أعشى بن
ثعلبة:
والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا …
بالحنو في جدث هناك مقيم
والحنو بكسر المهملة وسكون النون في
ناحية المشرق. وقال الربيع بن ضبيع:
والصعب ذو القرنين عمر ملكه … ألفين
أمسى بعد ذاك رميما
وقال قس بن ساعدة:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا …
باللحد بين ملاعب الأرياح
وقال تبع الحميري:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما … ملكا
تدين له الملوك وتحشد
من بعده بلقيس كانت عمتي … ملكتهم حتى
أتاها الهدهد
وقال بعض الحارثيين يفتخر بكون ذي
القرنين من اليمن يخاطب قوما من مضر:
سموا لنا واحدا منكم فنعرفه … في
الجاهلية لاسم الملك محتملا
كالتبعين وذي القرنين يقبله … أهل
الحجى وأحق القول ما قبلا
وقال النعمان بن بشير الأنصاري
الصحابي ابن الصحابي:
انتهى.
ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح
في اسمه الصعب، ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس، وأوس بن حجر، وطرفة
بن العبد وغيرهم.
وأخرج الزبير بن إبراهيم بن المنذر،
عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الدنيا
كلها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين، ونمرود،
وبختنصر. ورواه وكيع في تفسيره عن العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهدا يقول: ملك
الأرض أربعة فسماهم.
قوله: {سببا} طريقا) هو قول أبي عبيدة
في المجاز، وروى ابن أبي شيبة من حديث علي مرفوعا أنه قيل له: كيف بلغ ذو القرنين
المشرق والمغرب؟ قال: سخر له السحاب، وبسط له النور، وبدت له الأسباب.
قوله: {زبر الحديد} واحدها زبرة وهي
القطع) هو قول أبي عبيدة أيضا قال: {زبر الحديد} أي قطع الحديد واحدها زبرة.
قوله: {حتى إذا ساوى بين الصدفين}
يقال عن ابن عباس الجبلين) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
في قوله: {بين الصدفين} قال: بين الجبلين، وقال أبو عبيدة: قوله: {بين الصدفين} أي
ما بين الناحيتين من الجبلين.
قوله: (والسدين: الجبلين) روى ابن أبي
حاتم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا في قصة ذي القرنين وأنه سار حتى بلغ مطلع الشمس،
ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء فبنى السدين، وفي إسناده ضعف،
والسدين بالفتح والضم بمعنى قاله الكسائي، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما كان من صنع
الله فبالضم، وما كان من صنع الآدمي فبالفتح، وقيل: بالفتح ما رأيته وبالضم ما
توارى عنك.
قوله: {خرجا} أجرا) روى ابن أبي حاتم
من طريق ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس قال: {خرجا} قال أجرا عظيما.
قوله: {آتوني أفرغ عليه قطرا} أصب
عليه رصاصا، ويقال الحديد، ويقال الصفر. وقال ابن عباس: النحاس) أما القول الأول
والثاني فحكاهما أبو عبيدة، قال في قوله: {أفرغ عليه قطرا} أي أصب عليه حديدا
ذائبا، وجعله قوم الرصاص انتهى. والرصاص بفتح الراء وبكسرها أيضا، وأما الثالث
فرواه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك قال: {أفرغ عليه قطرا} قال صفرا. وأما قول ابن
عباس فوصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى عكرمة عن ابن عباس قال: {أفرغ عليه قطرا}
قال: النحاس. ومن طريق السدي قال: القطر النحاس المذاب، وبناء لهم بالحديد
والنحاس. ومن طريق وهب بن منبه قال: شرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل له عرقا
من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر من صفر النحاس وحمرته وسواد الحديد.
قوله: {فما اسطاعوا أن يظهروه} يعلوه)
هو قول أبي عبيدة قال: {فما اسطاعوا أن يظهروه} أي أن يعلوه، تقول ظهرت فوق الجبل
أي علوته.
قوله: (اسطاع استفعل من طعت له فلذلك
فتح أسطاع يسطيع، وقال بعضهم استطاع يستطيع) يعني بفتح الهمزة من أسطاع وضم الياء
من يسطيع.
قوله: {جعله دكاء} ألزقه بالأرض،
ويقال ناقة دكاء لا سنام لها والدكداك من الأرض مثله حتى صلب وتلبد) قال أبو عبيدة
{جعله دكاء} أي تركه مدكوكا أي ألزقه بالأرض، ويقال ناقة دكاء أي لا سنام لها
مستوية الظهر، والعرب تصف الفاعل والمفعول بمصدرهما فمن ذلك جعله دكا أي مدكوكا.
قوله: (وقال قتادة (حدب) أكمة) قال
عبد الرزاق في التفسير عن معمر عن قتادة في قوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم
من كل حدب ينسلون} قال من كل أكمة. ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، روى
ابن مردويه، والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة
ألف رجل لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح، لا يمرون
على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم. وسيأتي مزيد لذلك في كتاب
الفتن إن شاء الله تعالى.
وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من
زعم أن آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله، وهو
قول منكر جدا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب. وذكر ابن هشام في التيجان أن أمة
منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك.
قوله: (وقال رجل للنبي صلى الله عليه
وسلم: رأيت السد مثل البرد المحبر؟ قال: رأيته) وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا
رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: كيف رأيته؟ قال مثل البرد المحبر طريقة
حمراء وطريقة سوداء. قال: قد رأيته ورواية الطبراني من طريق سعيد بن بشير، عن
قتادة عن رجلين عن أبي بكرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فذكر نحوه
وزاد فيه زيادة منكرة وهي: والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة أسري بي لبنة من ذهب
ولبنة من فضة وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي، عن أبي بكرة ورجل
رأى السد فساقه مطولا. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث موصولة
أحدها: حديث زينب بنت جحش في ذكر ردم
يأجوج ومأجوج، وسيأتي شرحه مستوفى في آخر كتاب الفتن.
ثانيها: حديث أبي هريرة نحوه باختصار
ويأتي هناك أيضا.
ثالثها: حديث أبي سعيد في بعث النار،
وسيأتي شرحه في أواخر الرقاق. والغرض منه هنا ذكر يأجوج ومأجوج والإشارة إلى
كثرتهم وأن هذه الأمة بالنسبة إليهم نحو عشر عشر العشر وأنهم من ذرية آدم ردا على
من قال خلاف ذلك.
(فتح الباري بشرح البخاري)
قوله: ({وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي
الْقَرْنَيْنِ}) وفيه عِدَّةُ فوائد:
الفائدة الأولى في تحقيق الإسكندر:
ولا ريب في كونه رجلًا صالحًا. أمَّا
إنه كان نبيًا، أو وليًّا، فالله تعالى أعلم به. والذي يَظْهَرُ أنه ليس بالاسكندر
اليونانيِّ، وإليه ذهب الرازي، والحافظ. فإن أرسطو كان من وزرائه، وكان يَسْجُدُ
له. وهو أوَّلُ من دوَّن الجغرافية، وذكر فيه السدَّ، فَدَلَّ على أنه كان مبنيًّا
قبل الاسكندر اليونانيِّ، اللهم إلَاّ أن يُقَالَ: إنه أراد به السدَّ الذي بناه
ملكه، والظاهرُ هو الأوَّلُ. على أن اليونانيَّ لم يَخْرُج إلى مطلع الشمس
والمغرب، ولكنه كان بسَمَرْقَنْد. وقاتل دار فقتله، ثُمَّ فتح الاسكندرية، ثم أتى
أرضَ بابل، ورجع من ههنا إلى كابل، ثم إلى راولبندى حتى ألقى عصاه بموضع تيكسله،
وضرب فيها سِكَّةً، ثم سافر إلى السند، ومات ثَمَّةَ. فليس اليونانيُّ هو ذو
القرنين الذي ذكره القرآن. وراجع صورة العالم من آخر «التفسير» للشيخ عبد الحق
الدَّهْلَوِي، فإنه مهمٌّ، ويَنْفَعُكَ في هذا الباب. واسْتَنْبَطْتُ من سفره إلى
مطلع الشمس ومغربها، أنه لم يكن من سكانهما.
الفائدة الثانية في تحقيق موضع السد:
أمَّا الكلامُ في السدِّ، فاعلم أنه
عديدٌ، والذي بناه ذو القرنين، هو في الجانب الشماليِّ عند جبل قوقيا. أما الذي هو
في بلدة الصين في طول ألف ومئتي ميلٍ تقريبًا، فهو سدٌّ آخر. ومن ظنَّه السدَّ
المعروفَ، فبعيدٌ عن الصواب. وسدٌّ آخر باليمين بناه شدَّاد، وظنَّ البيضاويُّ -
وهو مؤرِّخٌ فارسٌ - أنه عند دربند ثم رَوَى الحافظُ عن صحابيَ: «أنه لمَّا رَجَعَ
بعد رؤيته السدَّ، سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: رأيته كالبُرْدِ
المُحَبَّرِ». وحمله الحافظُ على سدِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قلتُ: هذا غلطٌ، بل هو سدٌّ آخر كان
باليمين، وسدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في موضعٍ وراء بُخَارَى. ثم إن سدَّ ذي
القرنين قد اندكَّ اليوم، وليس في القرآن وعدٌ ببقائه إلى يوم خروج يَأْجُوجَ
ومَأْجُوجَ، ولا خبرٌ بكونه مانعًا من خروجهم، ولكنه من تَبَادُرِ الأوهام فقط.
فإنه قال: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99]
{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} … إلخ [الأنبياء: 96] فلهم خروجٌ
مرَّةً بعد مرةٍ. وقد خَرَجُوا قبل ذلك أيضًا، وأَفْسَدُوا في الأرض بما
يُسْتَعَاذُ منه. نعم يكون لهم الخروجُ الموعودُ في آخر الزمان، وذلك أشدُّها.
وليس في القرآن أن هذا الخروجَ يكون عَقِيبَ الاندكاك متَّصلًا، بل فيه وعدٌ
باندكاكه فقط، فقد اندكَّ كما وَعَدَ.
أما إن خروجَهم موعودٌ بعد اندكاكه
بدون فصلٍ، فلا حرفَ فيه. أَلَا ترى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عدَّ من أشراط
الساعة: قبضَه من وجه الأرض، وفتحَ بيت المقدس، وفتحَ القسطنطينية، فهل تراها
متَّصلةً، أو بينها فاصلةٌ متفاصلةٌ، فكذلك في النصِّ. نعم فيه: أن خروجَهم لا
يكون إلَاّ بعد الاندكاك، أمَّا إنه لا يندلُّ إلَاّ عند الخروج، فليس فيه ذلك.
الفائدة الثالثة في تحقيق يأجوج ومأجوج:
أمَّا الكلامُ، في يَأْجُوجَ
ومَأْجُوجَ، فاعلم أنهم، من ذُرِّيَّة يافث باتفاق المؤرِّخين. ويُقَال لهم في
لسان أروبا: كاك ميكاك، وفي مقدمة ابن خَلْدُون: «غوغ ماغوغ». وللبرطانية إقرارٌ
بأنهم من ذُرِّيَّة مَأْجُوجَ، وكذا ألمانيا أيضًا منهم، وأمَّا الروس فهم من
ذُرِّيَّةِ يَأْجُوجَ. وليس هؤلاء إلَاّ أقوامًا من الإِنس، والمراد من الخروج:
حملتُهم، وفسادُهم، وذلك كائنٌ لا محالة في زمانه الموعود، وكلُّ شيءٍ عند ربِّك
إلى أجلٍ مسمَّى. وليس السدِّ مَنَعَهُمْ عن الفساد، فهم يَخْرُجُون على سائر
الناس في وقتٍ، ثم يُهْلَكُونَ بدعاء عيسى عليه السلام. هكذا في «مكاشفات يوحنا»
وفيه: أنهم يُهْلَكُونَ بدعاء المسيح عليه الصلاة والسلام عليهم.
وإنما ذكرنا نبذةً من هذه الأمور،
لِتَعْلَمَ أنها ليست بشيءٍ يُفْتَخَرُ بها عند العوام، ولكنها كلَّها معروفةٌ عند
أصحاب التاريخ. أمَّا من لم يُطَالِعْ كُتُبَهُمْ فالإِثمُ عليه. وهذا الجاهل -
لعين القاديان - يَزْعُمُ أنه أتى بعلمٍ جديدٍ، كأنَّه أوجده من عند نفسه، وكان
النَّاسُ غَافِلُونَ عنه قبل ذلك. وقد بَسَطْنَاها في رسالتنا «قيدة الإِسلام»،
وحاشيته بما لا مَزِيدَ عليه، فراجعها.
وبعدُ، فإن العِلْمَ بيد الله
المتعال، وأمَّا من زَعَمَ أنه قد أَحَاطَ بوجه الأرض كلِّها عِلْمًا، ولم
يَتْرُكْ موضعًا إلَاّ وقد شَاهَدَ حاله، فذلك جاهلٌ. فإنهم قد أقرُّوا بأن كثيرًا
من حصص الأرض باقيةٌ لم تقطعها بعدُ أعناق المطايا، منها ساحةٌ طويلةٌ في أرض
الروس الشهيرة بسيبيريا وغيرها، فما هذه الزقازق؟!.
وإذ قد فَرَغْنَا عن نقل القطعات
التاريخية على القدر الذي أردناها، فالآن نتوجَّه إلى بعض ألفاظ الحديث.
فاعلم أنا لم نَجِدْ في القرآن، ولا
في حديثٍ صحيحٍ أن السدَّ مانعٌ عن خروجهم، إلَاّ ما عند الترمذيِّ، فإنه يُشْعِرُ
بظاهره أنه مانعٌ عنه، لِمَا فيه: «أنهم يَحْفِرُونه كل يومٍ، حتَّى إذا بَقِيَ
منه شيءٌ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولون: نَعُود إليه غدًا، ونَحْفِرُ الباقي، ولا
يقولون: إن شاء الله تعالى. فإذا عَادُوا إليه، وَجَدُوه كما كان قبله، فَلَا
يَزَالُ أمره وأمرهم هكذا، حتَّى إذا جاء الموعدُ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولوه:
إنا نَحْفِرُه غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا رَجَعُوا إليه غدًا، وَجَدُوه كما
تَرَكُوه، لم يَزِدْ عليه شيئًا، وحينئذٍ يَدُكُّونه، ثم يَخْرُجُون مفسدين في
الأرض» - بالمعنى. ولكنه مخالقٌ لِمَا في الصحيح، لأنه يَدُلُّ على أن السدَّ في
زمنه صلى الله عليه وسلم «كان فُتِحَ مثلَ هذه، وحلَّق بإِصْبَعَيْهِ: الإِبهام،
والتي تليها». وقد ذَكَرْنَا تمامه في «عقيدة الإِسلام»، مع أن ابن كثير علَّله،
وقال: إن أبا هريرة قد يَرْفَعُهُ، وقد يُوقِفُهُ على كَعْبٍ، وبه يَحْكُمُ
وجداني: أنه ليس بمرفوعٍ، بل هو من كعب نفسه.
قال الشيخُ في كتابه «عقيدة الإِسلام،
في حياة عيسى عليه السلام»: قد تَوَاتَرَ في الأحاديث أنه عليه السلام يَنْزِلُ
بعد خروج الدَّجَّال، فَيَقْتُلُه، ويُرِيهم دمَه على حَرْبَتِهِ، ثم يَخْرُجُ
يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، فَيُهْلِكُهُم الله بدعائه. وقد حرَّف المُلْحِدُون تلك
الأحاديث أيضًا. وكُنْتُ قد أفردت في مبحث يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مقالةً حديثيَّةً
تاريخيَّةً، لا يسعها المقام، وهذه نبذةٌ منها أوردتها.
فالذي ينبغي أن يُعْلَمَ، ويكفي ههنا:
أن الظاهرَ من أمر ذي القرنين أنه رجلٌ ليس من أهل المشرق، كما قيل: إنه مغفور
الصين، الذي بنى سدًّا هناك، في طول ألف مئتي ميلٍ، ويَمُرُّ على الجبال والبحار.
لأنه لو كان كذلك، لقيل في القرآن العزيز بعد سفره إلى المغرب: إنه رَجَعَ إلى
المشرق، كالراجع إلى وطنه. ولا من أهل المغرب، وإنما هو من أهل ما بينهما.
والراجحُ أنه ليس من أذواء اليمن، ولا كيقباد من ملوك العجم، ولا هو اسكندر من
فيلقوس، بل ملكٌ من الصالحين، ينتهي نَسَبُهُ إلى العرب الساميِّين الأوَّلين.
ذكره صاحب «الناسخ» وأرَّخ لبنائه السد: سنة 3460 من الهبوط.
وذَكَرَهُ قبل العرب الساميِّين الذين
مَلَكُوا مصر، كشَدَّاد بن عاد بن عود بن أرم بن سام، وابن أخيه سنان بن علوان بن
عاد، وبعدهما الريان بن الوليد بنع مرو بن عمليق بن عولج بن عاد. قال: ومن
أَطْلَقَ على هؤلاء الفراعنة بعد الريان العمالقة، فللنسبة إلى عمليق بن عولج، لا
إلى عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام الذين كانوا سَكَنُوا بمكة. وكذا هو - أي ذو
القَرْنَيْن - قبل ضحاك بن علوان، أخي سنان المذكور الذي قَتَلَ جمشاد ملك
الإِيران، وملكه.
وذكر اسم ذي القرنين: صعب بن روم بن
يونان بن تارخ بن سام، فهو إذن من عادٍ الأُولَى، لا من الروم، أو اليونان، وقد
قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ
نُوحٍ} [الأعراف: 69]. وذكر أيضًا أن كورش ليس هو كيقباد، بل هو من الطبقة الثانية
من ملوك بابل. والأشبه في وجه تسميته ما عن عليّ، وقد قوَّاه في «الفتح» وشرحه في
«شرح القاموس»، وذكر في التنزيل ثلاثة أسفار له: الأوَّل إلى المغرب، ثم إلى
المشرق، ولم يَذْكُرْ جهةَ الثالث، ولا قرينةَ له على أنَّه إلى الجنوب، فهو إذن
إلى الشمال، وسدُّه هناك في جبل قوقايا، الذي يسمى الآن الطائي، غير مجموعة الجبال
الأورالية، وهو المرادُ بآخر الجربياء في كتاب حزقيال عليه السلام، كما في «روح
المعاني».
قلتُ: الجِرْبِياء في اللغة: الريح
التي تَهُبُّ من المشرق والشمال. وبنى أيضًا بعضُ ملوك الصين سدًّا لنحو ضرورة ذي
القرنين، وهو سدٌّ كان المغول سَمَّوْهُ: أتكووة، وسمَّاه الترك: بوقورقه، ذكره
صاحب «الناسخ»، وأرَّخ لبنائه: سنة 4381 من الهبوط. وكذا بعض ملوك العجم من باب
الأبواب لمثل ما ذَكَرْنَاهُ. وهناك سدودٌ أُخَر، وكلُّها في الشمال.
ثم لو ثَبَتَ ما اشتهر، وشهَّره
المؤرِّخون، وذكره في «حياة الحيوان»، عن ابن عبد البَرِّ في «كتاب الأمم من
الكركند»: أن مَأْجُوجَ من ولد يافث، سَكَنَ هناك، وأن جوج لَحِقَ بهم، وأن ماغوغ
- كما ذَكَرَه ابن خَلْدُون - بالعبرية، هو: مَأْجُوجُ في العربية، وجوج، هو:
يَأْجُوجُ. مع أنه لم يَذْكُرْ في كتاب حزقيل بلفظ يَأْجُوج، وإنما ذَكَرَ: جوج،
وسلَّم أنهما معرَّبٌ كاك ميكاك في الإِنكليزية، وأن رخلأسيَا من يَأْجُوج، وأهل
بريطانيا من مَأْجُوج. ولم يَدُلُّ على أن ذي القرنين سَدَّ على كلِّهم، بل سَدَّ
على فِرْقَةٍ منهم هناك.
قال ابن حَزْم في «الملل والنحل» فيما
يَعْتَرِضُ به النصارى على المسلمين قديمًا: إن أرسطو ذكر السدَّ ويَأْجُوجَ
ومَأْجُوجَ في «كتاب الحيوان»، وكذا بطليموس في «جعرافياه». بل سؤالُ تعيين
السدِّ، أو تعيينُ ذي القرنين، وَقَعَ من اليهود أولًا عنه صلى الله عليه وسلم كذا
يُسْتَفَادُ من بعض روايات «الدر المنثور». وبعضُ الناس يَجْعَلُ اللفظين: منكوليا
ومنجوريا، وبعضُهم كاس ميكاس، وبعضهم: "جين ما جين"، وهو كما تَرَى.
وأعجبُ منه ما في «الناسخ»، من ذكر
بناء بيت المَقْدِسِ: أن علماءَ بني إسرائيلَ كانوا يُطْلِقُون على صور وصيدا: جين
ما جين، ونَقَلَ بَعْضُهم عن «تاريخ كليسيا» فِرْقَةً من فِرَقِ الآريوسة لقبها:
ياجوجي. والمُفْسِدُون في الأرض لا يَصْدُقُ على كلِّهم، فإنه إهلاكُ النَّسْلِ
والحَرْثِ، وتَخْرِيبُ البلاد، والنهبُ، والسفكُ، وشنُ الغارة، لا أخذ الممالك
بالسياسة والتدبير، وهؤلاء مَوْصُوفُون بذلك لا الأول. وإذا انقطع هذا اللقبُ عنهم
الآن، لم تَبْقَ المعرفة إلَاّ بوصف الإِفساد. فإن كان شعبُهم ينتهي إليهم،
فلينته. ولعلَّه في بعض الآثار أَدْخَلَ نحو إنسان الغاب، أو الجبَّارين في يأجوج
ومأجوج فراجع إنسان الغاب، والجبَّار من الدائرة.
وفي «البحر»: أنه قد اخْتُلِفَ في
عددهم وصفاتهم، ولم يَصِحَّ في ذلك شيءٌ. اهـ.
قلتُ: قد صَحَّ في كثرة عددهم أحاديث،
وكذا نُقِلَ عن «كتاب الجمان في تاريخ الزمان» للعينيِّ، عن «تاريخ ابن كثير»: أنه
لم يَصِحَّ في صفتهم كثيرُ شيءٍ. وإذا كان هؤلاء الأورباويون خارجين من بلادهم،
وأخلاقهم، وسيرتهم، فليسوا بمرادين. وإنما المراد فِرْقَةٌ منهم، أي من شعبهم في
الشمال، والشرق ولهم خروجٌ في آخر الأيَّام، وليس أنهم مَسْدُودُون بالسدِّ، من كل
جهةٍ، بل مُنِعُوا من شعبٍ هناك.
فإن قيل: إنهم أيضًا قد ارتفع عنهم
المانع الحسيُّ منذ زمانٍ طويلٍ، واندكَّ السَّدُّ، وقد خَرَجُوا، قيل: فإذن لم
يَكُنْ هذا الخروجُ مرادًا، فإنه لم يتحقَّق نزول عيسى عليه السلام قُبَيْل ذلك.
ويستمرُّ الأَمْرُ هكذا حتَّى يَخْرُجَ بعضٌ منهم، الذين لم يَخْرُجُوا إلى الآن
في عهد عيسى عليه السلام. ويكون الخروج مرَّةً بعد مرَّةٍ، كمثل خروج الخوارج، لا
خروجًا بالمرَّة من السدِّ، ولم يَذْكُرْ في القرآن لفظ الخروج من هذا السدِّ فقط:
لههنا، ولما ذَكَرَ في الأنبياء: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ}
[الأنبياء: 96]، لم يذكر السد، والردم، فكان الخروج لعمومهم، وكأن قوله:
{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] يوميءُ أن
بعضَهم في مقابلة بعضهم الآخرين. فالبعضُ خارجون من السدِّ، والبعضُ الآخرون من
غيره، وكأن اندكاك السدِّ جَعَلَ موضعَ خروج بعضٍ، وميقاتَ خروج آخرين منهم. وقَدْ
وَقَعَ في مكاشفات يوحنا الإِنجيليِّ خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، أي من سُدَّ
عليهم، أو لم يُسَدّ.
وكذا ذكره في «الناسخ»، عن الفصل
الحادي عشر، من سفر سنهذرين، من كمار اليهود، وهو عندهم كالحديثِ عندنا. قال فيه:
وُجِدَ في خزائن الروم بالخط العِبْرِيِّ: أن بعد أربعة آلاف سنة ومئتين وإحدى
وتسعين سنة يبقى العالمُ يتيمًا، وتَجْرِي فيه حروب كوك ما كوك، وتكون سائر الأيام
أيام الماشيح. وهذا التاريخُ - على ما يؤرِّخ به اليهود - مولدُ خاتم الأنبياء صلى
الله عليه وسلم ويَبْقَى العالمُ بعده يتيمًا، لا راعي له، أي تُخْتَتَمُ
النبوَّة، وتجري بعد ذلك - وبعد خيرٍ كثيرٍ - ملاحم يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ،
ويَنْزِلُ إذ ذاك عيسى عليه السلام.
وصاحب «الناسخ» حمل الماشيح على خاتم
الأنبياء صلى الله عليه وسلم وكذا ذكرهم في كتاب حزقيل، ولم يَذْكُرْ السدَّ.
فيأجوجُ ومأجوجُ أعمُّ ممن سُدَّ عليهم. فقد جَمَعَ القرآنُ حالَ أعمِّهم
وأخصِّهم، وذلك لسؤالهم عن ذي القرنين، لا عن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقط. فَذَكَرَ
أوَّلًا من سُدَّ عليهم منهم، ثم عمَّم في قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ
يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99]، وهو إذن للاستمرار التجدديِّ، حتَّى
يَتَّصِلَ خروجهم المخصوص بنزول عيسى عليه السلام، فَوَقَعَ هنا في القرآن أعمُّ
مما في الحديث. وكذا في قوله: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء:
96] فَذَكَرَ كلَّ حَدَبٍ، ولا بُدَّ من ذلك إن ثَبَتَ أن الأورباويين منهم، وأن
لهم خزجات. أو ذَكَرَ في القرآٌّ من سُدَّ عليهم فقط، لكن لم يَذْكُرْ أنه لا
يَنْدَكُّ، ويكون خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، حتى يكونَ خروجُهم المرادُ عند نزوله
عليه السلام.
وقد بُدِيء باندكاكه في زمانه صلى
الله عليه وسلم حيث قال: «ويلٌ للعرب، من شرَ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ
يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مثل هذه» وهؤلاء الذين خَرَجُوا كذلك، أي من غير سدَ لا
يُقَالُ: إنهم خَرَجُوا عليه، لأنَّهم نصارى نحلةً وانتماءً، وبقي بعضُ هؤلاء،
أصلًا وشعبًا ليسوا نصارى، سَيَخْرُجُون عليه في آخر الزمان. وذَكَرَ في كتاب
حزقيل خروجَهم على بني إسرائيل. ففي «روح المعاني»: وفي كتاب حزقيال عليه السلام
الأخبارُ بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجِرْبِياء، في أممٍ كثيرةٍ لا يُحْصِيهم
إلَاّ اللَّهُ تعالى، وإفسادُهم في الأرض، وقصدُهم بيت المَقْدِسِ، وهلاكُهم عن
آخرهم بِرُمَّتِهِمْ بأنواعٍ من العذاب. اهـ.
وذُكِرَ في الأحاديث النبوية
توجُّهُهُم إلى الشام، فليس الخروج عليه متَّصلًا بالاندكاك، وإنما المتَّصلُ به
خروجُهم على الناس، وهو كذلك في بعض الألفاظ، كما في «الكنز». وقد تأتي أحاديثُ
أشراط الساعة بالتقاط أشراطها من البين، وترك ما بينها، فلهم خروجٌ مرَّةً بعد
مرَّةٍ. وليس القرآنُ العزيزُ نصًّا في أن السدِّ مَنَعَهُم من كلِّ جهةٍ، ولا أن
عدمَ خروجهم في الأزمنة الآتية لعدم الاندكاك فقط، فإن ذلك إذ ذاك - أي عند بنائه
- ودَهْرًا بعده. وأمَّا بعد ذلك، فلهم عِدَّةُ خروجٍ، ففيه {حَتَّى إِذَا
فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} الآية، فلم يَقُلْ: حتَّى إذا فُتِحَ الرَدْمُ،
والمراد تلك النَّوْبَة من الخروج.
وبنبغي أن يُعْلَمَ أن قولَ ذي القرنين
{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ
وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98] قولٌ من جانبه، لا قرينةٌ على جَعْلِهِ
من أشراط الساعة. ولعلَّه لا عِلْمَ له بذلك، وإنما أَرَادَ وعدَ اندكاكه. فإذن
قوله تعالى بعد ذلك: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}
للاستمرار التجدديِّ. نعم قوله: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)} هو من أشراطِ الساعة، لكن ليس فيه
للرَّدْمِ ذِكْرٌ، فاعلم الفرق.
واعلم أيضًا أن السَّدَّ الذي رآه
صحابيٌّ، كما في «الفتح»، و «والدر المنثور»، و «حياة الحيوان» الظاهرُ أنه سَدٌّ
آخر لا هذا السدّ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فيه بمعنى أهل الشرك. وحديث حَفْرِ
السدِّ كلَّ يومٍ، أعلَّ ابن كثير في «تفسيره» رَفْعَهُ، بأنه لعلَّه سَمِعَه من
كَعْب. فإن كَعْبًا رَوَى عنه مثل ذلك، وقد ذكره أيضًا ابن كثير. وفي «الفتح»: أن
عبد بن حميد رواه عن أبي هريرة موقوفًا. أَوْ كانوا حَفَرُوا أولًا، وتَرَكُوا،
وسَيَحْفِرُونَه عند خروجهم المخصوصِ أيضًا، وإن كانوا خَرَجُوا قبل ذلك خروجًا
غير خروجهم على عيسى عليه السلام، فإن الله تعالى قد قال: {وَمَا اسْتَطَاعُوا
لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] ذكره ابن كثير أيضًا.
وأقول: إن كان في إيمان الناظرين
سَعَةٌ، فلا ضَيْقَ في تسليمه أيضًا. والحاصلُ: أنه إن كان قد اندكَّ، أو كان لم
يَنْدَكَّ، ولكن كان لم يَبْقَ مانعًا بحسب هذا الزمان بأن يكون خروجهم من طُرُقٍ
بعيدة من وراء الجبال، والسدُّ على البوابير والمراكب المُحْدَثة للأسفار الطويلة.
فخروجُهم المخصوصُ ليس متَّصلًا به. كيف وهو مُنْدَكٌّ إذن منذ زمانٍ طويلٍ،
فَلَمْ يَبْقَ من السَّدِّ الذي جَعَلَهُ الناظرون سدَّ ذي القرنين، إلَاّ أثرٌ
وطَلَلٌ، ولم يتَّصلْ خروجُهم ذلك به، فليكن من الزمان بُرْهَةٌ أخرى كذلك، لا
أنهم خَرَجُوا في زماننا هذا، فَيُطْلَبُ عيسى عليه السلام فيه. فإنه إذا تَرَاخَى
من اندكاكه، أو من خروجهم من زمنٍ طويلٍ، فَلْيُتَرَاخَى عهدًا آخر أيضًا، وإن لم
يندكَّ مقدار ما بين الصَّدَفَيْن. وليس له زيادةُ طولٍ حتَّى يُسْتَبْعَدَ
خفاؤُه. كما في «روح المعاني» في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
السَّدَّيْنِ} [الكهف: 93]، في قراءة فتح السين، وضمها السُّد بالضم: الاسم،
وبالفتح: المصدر. وقال ابن أبي إسحاق: الأوَّلُ ما رأته عَيْنَاك، والثاني ما لا
تَرَيَاهُ. اهـ.
وذكره كذلك في «البحر»، فالأمرُ إذن
على الانتظار، ويَدُورُ على الإِيمان، فَلْيَنْتَظرْ، فإنهم وإن خَرَجُوا مثلًا من
طريقٍ آخر، لكنَّهم لم يَخْرُجُوا على هذا التقدير من السدِّ. وإذن كان السدُّ
اندكَّ، أو لم يَنْدَكَّ، لكن قد انْهَدَمَ ما بناه ذلك الملحد أساسًا ورأسًا على
كلِّ حالٍ. وكذا لم يُفِدْهُ أكان الأروباويون منهم، أم لم يَكُونُوا، فإنهم لم
يَخْرُجُوا من السدِّ، وإن خَرَجُوا على الناس. كيف وذلك المُلْحِدُ نفسه من
ذُرِّيَّةِ مَأْجُوجَ على تحقيقه، فإنه من المَغُول. هذا، مع ما هو مسلَّمٌ عند
الجغرافيين: أنه لم يَنْكَشِفْ إلى الآن لهم حال بعض الجبال، والقفار، والبحار.
ثم لمَّا كان الإِنكليزُ من
الألمانيين وهم من ذِرِّيَّةِ جومر أخي مَأْجُوج، فَلَيْسُوا من نَسْلِ مَأْجُوج.
ولا يُفيدُ ما ذُكِرَ في الألمان أنهم خَرَجُوا من كوه قاف، وأورال، فإن جبلَ
أورال سلسلةٌ مستطيلةٌ من الشرق إلى الغرب. ولم يَكُنْ نَسْلُ مَأْجُوجَ، أو الذين
سُدَّ عليهم إلَاّ في شرقه.
وذُكِرَ في «دائرة المعارف» جوج من
جومر، وأنه ملك السكيثيين، فَيَأْجُوجُ إخوان مَأْجُوج، وهو كذلك عند اليهود، كما
في «لقطة العجلان»، فاحذر قول الخرَّاصين. ومذهبُ السكيثيين: ميتهالوجي، أي علم
الأصنام، فليسوا بني إسرائيل أيضًا. وجوج الذي هو من ذُرِّيَّةِ يعقوب رجلٌ آخر،
وجوج الذي عُدَّ مع مَأْجُوجَ في كتاب حزقيل، ليس من ذُرِّيَّة يعقوب، بل هو معاذ
لبني إسرائيل. فلو سُلِّمَ أن جوج والي روسيا، فليس الذي سُدَّ عليهم إياهم، بل هم
بعضٌ من جوج. والذي يُعْلَمُ من كتابه: أن جوج أقربُ مسكنًا، ومَأْجُوجَ أبعدُ.
ولمَّا كان الأريانة، أصلَ الأروباويين، كيف يكون الأوروباويون من مَأْجُوجَ؟
وإلَاّ لكان الهنودُ منهم، إلَاّ أن يُقَالَ: إنه قد تبدَّلت ألقابهم، فهذا يجري
في الأوروباويين أيضًا.
وقد قال في «الفتح» في حديث: «أبشروا،
فإن من يَأْجُوجَ ومَأْجُوج ألفًا، ومنكم رجل» قال القرطبيُّ: قوله: «من
يَأْجُوجَ، ومَأْجُوجَ ألفًا»، أي منهم، وممن كان على الشِّرْكِ مثلهم، وقوله:
«ومنكم رجل»، يعني من أصحابه، ومن كان مثلهم.
قلتُ: وهو عن عِمْران بن حُصَيْن عند
الحاكم في «المستدرك»: «وأبشروا، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده إنكم مع خَلِيقَتَيْنِ ما
كانتا مع شيءٍ إلَاّ كثَّرَتَاه، يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَنْ هَلَكَ من بني آدم،
وبني إبليس». اهـ. فوقع مفسَّرًا، ولم يستمد به في «الفتح». وقد صحَّحه الحاكمُ،
وأقرَّه الذهبيّ، فاعلمه. وقد أَخْرَجَهُ الترمذيُّ، والنَّسَائيُّ في تفسيره
كذلك. ونحوه في «الدر المنثور»، عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ
الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17].
واعلم أن ما ذَكَرْتُهُ ليس تأويلًا
في القرآن، بل زيادةَ شيءٍ من التاريخ والتجربة، بدون إخراج لفظه من موضعه. فلا
يتَّسِعُ الخرق، فإن التاريخَ لمَّا ذَكَرَ أن بعضَ الشعود الخارجة من السَّدِّ من
نَسْلِ يَأْجُوجَ أيضًا، قُلْنَا: إن ثَبَتَ، فالقرآن لم يَذْكُرْ السدَّ على
كلِّهم، ولا من كلِّ جهةٍ، فَلْيَكُنْ الخارجون المذكورون من يَأْجُوجَ
ومَأْجُوجَ، ولكن لَيْسُوا بمرادين في القرآن. وإن ثَبَتَ أنه اندكَّ، أو خَرَجُوا
من جانبٍ آخرَ، فَلَيَكُنْ مَوْجُ بعضهم في بعضٍ متجدِّدًا مستمرًّا، حتَّى
يَنْزِلَ عيسى عليه السلام، فَيَخْرُجُون أيضًا من بلادهم من السَّدِّ
المُنْدَكِّ، ويُفْسِدُون في الأرض حتَّى يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ تعالى بدعائه عليه
السلام. كيف وقد قَالَ اللَّهُ تعالى في الأنبياء: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ
أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ
وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)} [الأنبياء: 95 - 96]، أي
حرامٌ عليهم غير ما نقول، وهو: أنهم لا يَرْجِعُون إلى الدنيا ثانيًا، كقوله
تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ
إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)} [يس: 31]، ويَدْخُلُ تحت النفي رَجْعَةُ
الروافض، وبروزُ ذلك المُلْحِدِ، فإنه جَعَلَهُ أنه هو حقيقةُ ما أَطْلَقَ عليه
أنه رجوعٌ للأوَّل. وقيل: إنه سَيَرجُعُ، كما جاء في عيسى عليه السلام مرفوعًا،
وقد مرَّ: «أنه رَاجِعٌ إليكم».
(فيض الباري على صحيح البخاري)

0 Comments
Silahkan meninggalkan saran dan masukan terkait blog ini. Semoga bermanfaat. Terima kasih.