باب إقبال العقل و إدباره
الكافي: عن الباقر : «لما خلق
الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال:
وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا في من أحبّ، أما إنّي
إياك أمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب».
بيان: «العقل» جوهر ملكوتي نوراني،
خلقه الله سبحانه من نور عظمته، وبه أقام السموات والأرضين وما فيهن وما بينهن من
الخيرات، ولأجله ألبس الجميع حلة نور الوجود، وبوساطته فتح أبواب الكرم والجود،
ولولاه لكنا جميعاً في ظلمة العدم، ولأغلقت دوننا أبواب النعم، وهو أول خلق من
الروحانيين عن يمين العرش، وهو بعينه نور نبينا الله وروحه الذي تشعب منه أنوار
أوصيائه المعصومين وأرواح الأنبياء والمرسلين سلام الله عليهم أجمعين، ثم خلقت من
شعاعها أرواح شيعتهم من الأولين والآخرين.
قال نبينا : «أول ما خلق الله نوري
وفي رواية أخرى: «روحي» وفي الحديث القدسي: لولاك لما خلقت الأفلاك وفي هذا المعنى
وردت روايات كثيرة. وفي حديث المفضّل عن
الصادق «إنا خلقنا أنواراً، وخلقت شيعتنا من شعاع ذلك النور، فلذلك سميت شيعة،
فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلي بالعلياء وإنما سمي الخلق الأول عقلاً لأنه به
يعقل كل شيء ويعلم، ونوراً لأنه به يبصر كل شيء، وروحاً لأنه به حياة كل شيء.
استنطقه جعله ذا نطق وكلام يليق بذلك
المقام ليصير أهلاً للخطاب، أو طلب منه النطق بأن قال له: «تكلم كما ورد في رواية
أخرى. «أقبل» أي إلى الدنيا.
واهبط إلى الأرض رحمة للعالمين فأقبل
فنزل إلى هذا العالم، فأفاض النفوس الفلكية بإذن ربه ثم الطبائع، ثم الصور، ثم
المواد، فظهر في حقيقة كل منها وفعل فعلها، فصار كثرة وأعداداً، وتكثر أشخاصاً
وأفراداً.
ثم قال له أدبر ارجع إلى ربك فأدبر
فأجاب داعي ربه، وتوجه إلى جناب قدسه بأن صار جسماً مصوراً من ماء عذب وأرض طيبة،
ثم نبت نباتاً حسناً، ثم صار حيواناً ذا عقل هيولائي، ثم صار عقلاً بالملكة، ثم
عقلاً مستفاداً، ثم عقلاً بالفعل، ثم فارق الدنيا ولحق بالرفيق الأعلى. وكذلك فعل
كل من تبعه وشيعه من الأرواح المتشعبة منه المقتبسة من نوره أو المنبجسة من شعاعه،
ويلحق به الجميع ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى الله.
فإقباله عبارة عن توجهه إلى هذا
العالم الجسماني، وإلقائه عليه من شعاع نوره وإظهاره الأعيان فيه، وإفاضته الشعور
والإدراك والعلم والنطق على كل منها بقدر استعداده له، وقبوله منه من غير أن يفارق
معدنه ويخلي مرتبته ومقامه في القرب، بل يرشح بفضل وجوده الفائض من الله عز وجل
على وجود ما دونه.
وإدباره عبارة عن رجوعه إلى جناب
الحق، وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذاته بالعبودية الذاتية شيئاً فشيئاً من
أرض المادة إلى سماء العقل حتى يصل إلى الله تعالى، ويستقر إلى مقام الأمن
والراحة، ويبعث إلى المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
فإقباله في جميع المراتب إيجابي
تكويني لا يحتمل العصيان، وأمري دفعي لا يدخل تحت الزمان، ولا يتطرق الى السابق
عند وجود اللاحق بطلان ولا نقصان وإدباره في الأواخر تكليفي تشريعي، وكله خلقي
تدريجي مقيد بالزمان، يبطل السابق عند وجود اللاحق شخصاً وجسماً لا حقيقة وروحاً،
وكل مرتبة منهما عين نظيرتها من الآخر حقيقة وغيرها شخصاً.
ومثل نور العقل في عالم الغيب مثل نور
الشمس في عالم الشهادة. فكما أن عين البصر تدرك بنور الشمس المحسوسات في هذا
العالم، ولولاه لما أبصرت شيئاً، فكذلك عين البصيرة تدرك بنور العقل المعقولات في
ذلك العالم، ولولاه لما أبصرت شيئاً، وكما أن من عمي بصره لا يبصر بنور الشمس
شيئاً، فكذلك من عميت بصيرته لا يبصر بنور العقل شيئاً.
ثم إن هذه الأنوار الشعاعية المنبجسة
من ضياء العقل والنور المحمدي منها ما هو غريزي للإنسان، به يتهيأ لإدراك العلوم
النظرية، وتدبير الصناعات الخفية، فيخرجها من القوة إلى الفعل شيئاً فشيئاً، وبها
يفارق سائر الحيوانات، ومنها ما هو مكتسب له به يميز بين النافع له في المال
والضار به فيه فيقدم على النافع ويجتنب الضار، ويختار الأجل الباقي على العاجل
الفاني في النفع وبالعكس في الضرر، وهو ثمرة الأول والغاية القصوى له، وتؤيده
الملائكة وتلهمه وتهديه.
وإلى كلا العقلين أشير فيما ينسب إلى
أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال:
رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع
ولكل منهما درجات ومراتب فكامل وأكمل
وناقص وأنقص.
إياك أمر إما على حقيقته، أو هو بمعنى
بل ولأجلك، إذ العقل هو المكلف أو هو ملاك التكليف.
وإياك أعاقب» يعني عند انغمارك في
التعلقات الجسمانية، واستغراقك في الشهوات الدنيوية، وإلا فالجوهر العقلي من جهة
ذاته بذاته سعيد في الدنيا والآخرة لا ذنب له ولا معصية، وإنما يعتريه شيء من ذلك
لأجل صحبة البدن ومخالطة الوهم والخيال، والنزول في منزل الأرذال.
هذا ما عندي في شرح هذا الحديث، وإنما
اقتبسته من مشكاة أنوار أئمتنا وإفاضة أشعة أضوائهم، فإن عطاياهم لا تحملها إلا
مطاياهم، وسيأتي في كلماتهم ما يؤكده ويحققه إن شاء الله تعالى.
وزاد في محاسن البرقي» في آخر الحديث:
«فأعطى محمداً تسعة وتسعين جزءاً، ثم قسم بين العباد جزءاً واحداً، وكأنه أريد
بالجزء الواحد الجزء الشعاعي الذي لا ينتقص بانبجاسه من عقل الكل شيء منه، وإنما
قيل ذلك تمثيلاً للنسبة.
باب فرض طلب العلم والفقه والحث
عليهما
الكافي: عن النبي ﷺ: طلب العلم
فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب بغاة العلم .
بيان: العلم الذي طلبه فريضة على كل
مسلم هو العلم الذي يستكمل به الإنسان بحسب نشأته الأخروية، ويحتاج إليه في معرفة
نفسه ومعرفة ربه ومعرفة أنبيائه ورسله وحججه وآياته واليوم الآخر، ومعرفة العمل
بما يسعده ويقربه إلى الله تعالى، وبما يشقيه ويبعده عنه عزوجل.
وتختلف مراتب هذا العلم حسب اختلاف
استعدادات أفراد الناس واختلاف حالات شخص واحد بحسب استكمالاته يوماً فيوماً،
فكلما حصل الإنسان مرتبة من العلم وجب عليه تحصيل مرتبة أخرى فوقها إلى ما لانهاية
له بحسب طاقته وحوصلته. ولهذا قيل لأعلم الخلائق: وقل رب زدني علماً وقيل: وقت
الطلب من المهد إلى اللحد هذا أقوم ما قيل فيه و «بغاة العلم» طلابه.
(الشافي في العقائد والأخلاق
والأحكام للفيض الكاشاني)

0 Comments
Silahkan meninggalkan saran dan masukan terkait blog ini. Semoga bermanfaat. Terima kasih.