على كثرة الكتب المصنفة في شرح
الحديث، غير أن بيان حد هذا العلم، وتعريفه لا يُظفر به فيها غالباً، وإنما يُفزَع
في ذلك إلى الكتب المصنفة في تعريفات العلوم، ومما وقفت عليه في ذلك ما ذكره صديق
بن حسن خان في أبجد" العلوم" عازيًا إياه إلى "مقدمة العلوم ؛ قال:
"علم شرح الحديث علم باحث عن مراد رسول الله ﷺ من أحاديثه الشريفة بحسب القواعد
العربية، والأصول الشرعية، بقدر الطاقة البشرية.
وهذا تعريف حسن ؛ إذ قوله "علم
باحث عن مراد رسول الله ﷺ من أحاديثه الشريفة": يخرج به ما كان باحثا عن مراد
غيره.
وقوله "بحسب القواعد العربية،
والأصول الشرعية: يخرج به ما كان باحثا عن مراد رسول الله ﷺ مع جهل بالغة والشرع؛
إذ العلم بهما لا بد منه في بيان معاني الأحاديث النبوية.
وقوله بقدر الطاقة البشرية": فيه
بيان استفراغ الوسع، وبذل الجهد في بيان مراد رسول الله ﷺ في أحاديثه الشريفة، وأن
المتصدي لذلك لا بد أن يمتلك الأدوات التي تعينه عليه.
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنه أغفل
في هذا التعريف الإشارة إلى ما يتعلق بمباحث الإسناد ومسائله؛ فهي داخلة في شرح
الحديث، ولعله لم يشر إليها لأن المقصود الأعظم من شرح الحديث ذكر معانيه وفقهه
وأحكامه وما إلى ذلك مما لا تعلق له بالإسناد.
سبقت الإشارة إلى أن شرح الحديث فرع
من فروع علوم الحديث، وأول من ذكر ذلك فيما وقفت عليه الحاكم في معرفة علوم الحديث
، قال : النوع العشرون من هذا العلم -بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث
إتقانا ومعرفة لا تقليدًا وظنا : معرفة فقه الحديث، إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه
قوام الشريعة.
ورغم أهمية هذا العلم وموقعه من علوم
الحديث غير أن أكثر من صنف فيها بعد الحاكم لم يذكره ضمنها (أي: ضمن علوم الحديث).
وممن ذكره وأشار إليه القاضي عياض في
الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع"، قال في سياق ذكر علوم الحديث
- ثم التفقه فيه، واستخراج الحكم والأحكام من نصوصه ومعانيه، وجلاء مشكل ألفاظه
على أحسن تأويلها، ووفق مختلفها على الوجوه المفصلة وتنزيلها.
وذكره كذلك الطيبي في الخلاصة في أصول
الحديث ضمن علوم الحديث ضاما إليه الغريب، ثم قال : "وأما فقهه : فهو ما
تضمنه من الأحكام والآداب المستنبطة منه.
وأشار إليه مصطفى بن عبد الله المعروف
بالحاج خليفة في كشف الظنون" بقوله: "علم شرح الحديث من فروع الحديث،
وعنه : صديق بن حسن خان في أبجد العلوم، و "الحطة في ذكر الصحاح الستة.
إن معرفة معاني وفقه حديث رسول الله ﷺ
من أجل علوم الحديث، بل هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، ولا يوصف بالعلم من
لا فقه ولا دراية له؛ ولهذا عظم حرصهم عليه، وتطلابهم له، وأفردوا له الأبواب
والفصول في مصنفاتهم؛ ومن ذلك أن الإمام الرَّامَهُرْمزِي ذكر فصلا في كتابه
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، وعنون له: "القول في فضل من جمع بين
الرواية والدراية، وكذلك صنع الحاكم في المعرفة على ما قدمنا ، وهذان الكتابان من
أوائل الكتب المصنفة في هذه الصنعة ونفائسها.
وشاع بين الدارسين أنَّ أوَّل من صنف
في شرح الحديث: الإمام الخطابي ت ۳۸۸هـ)، وذلك حين تصدى لشرح سنن أبي داود
في معالم السنن"، ثمَّ شَرْحِ البخاري في "أعلام الحديث".
والذي يظهر لي أن أول من طرق هذا
الباب: ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) في كتابه "تهذيب الآثار وتفصيل معاني
الثابت عن رسول الله من الأخبار، ويظهر من تسمية مؤلفه له أنه قصد بيان المعاني
وإيضاحها، وهذا الكتاب من الكتب العظيمة النافعة التي عول عليها واستفاد منها كثير
من شراح الحديث بعد الإمام الطبري، وممن أكثر من النقل عنه ابن حجر في
"الفتح". وعظم ثناء العلماء عليه، وإجلالهم له، حتَّى قال الخطيب
البغدادي: لم أر سواه في معناه، وقال أبو محمد الفرغاني: "هو من عجائب كتبه،
ابتدأه بما أسنده الصدّيق مما صح عنده سنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه،
ثم فقهه، واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرد على
الملحدين، فتم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي، وبعض مسند ابن عباس، فمات قبل
تمامه. قلت (القائل : الذهبي : هذا لو تم لكان يجيء في مائة مجلد.
ثم كثرت الشروح من بعد الإمام
الخطابي، واعتنى أهل الحديث بهذا الباب العظيم من أبواب هذا العلم الشريف، حتى
استوى علمًا قائما بذاته، فصرفت فيه نفائس الأوقات، وبذلت فيه الجهود العظيمة التي
تدلُّ على حفظ الله لسنة نبيه ؛ بما غرس في هذا الدين من هذا الغرس الطاهر المبارك
الذي ما زلنا نجني ثماره إلى يومنا هذا.
سبب تأخر التصنيف في الشروح الحديثية:
يرجع ذلك إلى أمور ؛ منها:
أولا : أنَّ عنايتهم كانت متجهة إلى
جمع الحديث وكتابته وتدوينه.
ثانيا : عدم الحاجة الماسة إليه؛
لقربهم من عهد النبوة، وعدم فُشُو اللحن فيهم.
ثالثاً : كره جماعة من الأئمة أن
يُذكر مع كلام رسول الله ﷺ كلام غيره
(علم شرح الحديث دراسة تأصيلية منهجية لبسام بن خليل الصفدي)

0 Comments
Silahkan meninggalkan saran dan masukan terkait blog ini. Semoga bermanfaat. Terima kasih.